شخصيات نسائيةمنوعات

قصة زرقاء اليمامة الحقيقية كاملة … حقائق تاريخية مذهلة

يذخر تاريخنا العربي بقصص أسطورية لنساء عرفن منذ عصر الجاهلية، اشتهر بعضهن بالشجاعة، والبعض الآخر بجمالهن الأخاذ الذي سحر ألباب شعراء عصرهن، وأخريات بالقدرة القيادية للجيوش، حيث تمكنت بعض النساء العربيات من قيادة الجيوش وتكبيد العدو خسائر فادحة. إلا أن زرقاء اليمامة اشتهرت ليس لجمالها فحسب، وإنما لحدة بصرها الذي يضرب به المثل، وذكائها، وقوة شخصيتها. ما هي قصة زرقاء اليمامة الحقيقية كاملة؟ تابعي مقالنا التالي لنستمتع بالتعرف على هذه المرأة الفريدة.

من هي زرقاء اليمامة؟

زرقاء اليمامة الفتاة العربية العرّافة خارقة البصر التي سحرت العرب لقرون عدةٍ. حدثت قصة زرقاء اليمامة في العصر الجاهلي، وقد حدد المؤرخون زمن حدوثها بـ القرن العاشر قبل الهجرة، كما قال بعض المستشرقين بأنها حدثت حوالي 250 عام قبل الميلاد، ويرجح بأنها حدثت قبل ذلك لكن لم يرد عنها خبرٌ مؤكد في الآثار والأخبار. تبدأ قصة زرقاء اليمامة حين رزقت عائلتها بفتاة فائقة الجمال، ذات عينين زرقاوين بديعتين، من أهل اليمامة أطلقوا عليها اسم زرقاء اليمامة. عاشت هذ الفتاة في إحدى قرى مدينة نجد تدعى جديس، من بلدة تعرف ببلدة جو، تقع في سهل فسيح يدعى جو، وسمي كذلك لأنه فسيح كجو الفضاء.

 اعتادت زرقاء اليمامة، منذ بلوغها، العناية بنفسها وخاصة بعينيها، فقد دأبت على تكحيلهما بحجر الأثمد لتقوية بصرها وتجميل عينيها. لاحظت الفتاة شيئًا مختلفًا في حدة بصرها، فهي، على خلاف الجميع، تستطيع أن ترى ما تعجز عن رؤيته عين الشخص العادي، فقد كانت قادرة على رؤية الشعرة البيضاء في كوب اللبن، وتبصر الراكب من مسافة ثلاثة أيام، لذا فقد حظيت هذه المرأة بمكانة هامة في قبيلتها، فأصبحوا يعتمدون عليها كلما أحسوا بخطرٍ من هجوم العدو، فتساعدهم في معرفة صحة إحساسهم من زيفه، وتحدد لهم المسافة التي تفصلهم عن جيوش العدو والوقت اللازم لوصولهم، فيستعد فرسان القبيلة ويخرجون للقائهم قبل وصول قوافلهم إلى القبيلة. لذا فقد ذاع صيت هذا المرأة الجميلة في المدن والقبائل المجاورة، فكشفت نقطة قوة مدينة جديس في ذلك العصر (عصر الجاهلية).

لمحة عن القبائل التي عاشت في أرض اليمامة

تبدأ قصة زرقاء اليمامة الحقيقية كاملة، في منطقة واقعة شمال اليمن عرفت باليمامة، حيث عاشت قبائل طسم والجاديس العربية في الفترة الممتدة بين 110 قبل الميلاد – 525 بعد الميلاد جنبًا إلى جنب، وبنوا حضارة عظيمة انتهت بيد ملك اليمن حسن الحميري. لكن ما القصة وراء مجزرتهم الوحشية التي ارتكبوها بحق قبيلة اليمامة؟ وكيف ترتبط بالمرأة ذات الرؤية الأكثر حدة في ذلك الوقت زرقاء اليمامة؟

حكم ملك يدعى إمليق (وهي قبيلة عربية كانت تعيش في بلاد الشام وينحدرون من نسل النبي نوح) كلتا القبيلتين طسم والجاديس. كان إمليق طاغية عُرف بسلوكٍ مشين حيث كان ينتهك العرائس ليلة زفافهن. جلبت تصرفاته العار للقبائل التي شعرت بالعجز تجاه نزوة ملكهم ولم يروا مخرجًا حتى كانت ليلة زفاف الشاعرة الشهيرة الشموس، شقيقة الأسود بن عفار،  وهو نبيلٌ من جاديس. خرجت الشموس من حجرة نوم الملك ممزقة ومغطاة بالدماء، وعادت إلى قبيلتها ومزقت قميصها في رثاءٍ حزين، وصلت كلماتها المؤثرة لقلب شقيقها الأسود الذي خطط للانتقام من الملك إمليق. كانت خطته هي دعوة الملك وبلاطه لتناول العشاء و طلب منهم خلع أسلحتهم عند باب الخيمة في حين خبّأ الأسود ورجاله سيوفهم تحت الرمال في الخيمة. جلس كل رجل من جاديس بجانب شخص من رفقة الملك في حين جلس الأسود بجانب الإمليق. وفي اللحظة التي بدأ فيها رجال الإمليق  البحث عن الطعام سحب فيها كل رجل من قبيلة جديس سيفه وطعن من بجواره من رجال إمليق حتى الموت بما فيهم الملك إمليق، كما اقتضت الخطة التي رسمها الأسود، بحيث يصبح هو الملك الجديد بعد رحيل إمليق. نجحت الخطة لكن عددًا قليلاً من رجال طسام تمكنوا من الفرار من المجزرة وتوجهوا جنوباً إلى الملك الحسن في اليمن مطالبين بالانتقام لموتاهم. انتهز الملك حسن الفرصة لأنه كان دائما يرغب في توسيع مملكته شمالا لتشمل اليمامة.

قصة زرقاء اليمامة الحقيقية كاملة

تبدأ قصة زرقاء اليمامة الحقيقية كاملة، عندما بدأ أهلها وأفراد قبيلتها بالإستعانة بها في مراقبة كل ما هو وارد أو خارج من بلدتها اليمامة بعد أن تأكد لهم صدقها وقوة بصرها، فكانت تصعد إلى برج عالٍ لتراقب مداخل البلدة ومخارجها، وتخبرهم بكل ما هو قادم إليها. وبذلك أصبحت خير عونٍ لأهلها وقبيلتها. وبعد مقتل الملك إمليق، قرر أحد الموالين له، والذي نجا من الموت بأعجوبة، يدعى رياح بن مرة، الانتقام من قبيلة جديس، فلجأ إلى إحدى القبائل المعادية لقبيلة اليمامة والتي لا يقل حاكمها بطشًا عن سابقه يدعى حسان الحميري. فاقترح عليه أن يغير على قبيلة جديس وأغراه بحجم الهدايا والكنوز التي سيحصل عليها من ديار أهل القبيلة. وبعد إلحاحٍ  وحديثٍ مطول وافق الحاكم على ذلك. إلا أن رياح بن مرة كان يعرف بقصة زرقاء اليمامة وقدرتها على إبصار الأعداء من مسافةٍ بعيدة فقد كان له أخت متزوجة في قبيلة جديس. فاقترح على الحاكم أن يتخفى جنوده بأغصان الشجر وأوراقها، والتقدم نحو قبيلة جديس ليلاً. فلما رأتهم زرقاء اليمامة قالت لأهلها يا قوم سارت إليكم الأشجار وجاءتكم أوائل خيل حمير. وأنشدت تقول:

خذوا حذاركم يا قوم ينفعكم          فليس ما قد أرى بالأمس يحتكر

إني أرى شجرًا من خلفها بشرٌ     وكيف تجتمع الأشجار والبشر

فسخروا منها وكذبوها ولم يصدقوها ثم قالوا: كذبت أو كذّبتك عينك. وعند وصول جيش العدو أغاروا على قبيلتها وقتلوا كل من فيها وأبقوا على زرقاء اليمامة حيًّة. سألها حسان الحميري ماذا رأيتِ؟ فقالت رأيت الشجر ومن خلفها بشر. فتأكد من قوة بصرها وبصيرتها وعرض عليها أن تصحبه في كل أسفاره وتكون دليله ومرشده ضد أعدائه مقابل أن يحفظ لها حياتها وإن رفضت فسوف يقتلع عينيها ويفقدها بصرها. فرفضت زرقاء اليمامة أن تكون مراقبة له ولبلاده وأخبرته بأنها لا ترغب في عينيها ولا تريد أن ترى من قتل أهلها، وفقدانها لبصرها أهون من أن تخدم من قتل أهلها وترى عدوًا أهانها. فأمر الطاغية باقتلاع عينيها وصلبها على باب المدينة. فأصبحت زرقاء اليمامة مضرب المثل عند العرب بحدة بصرها وإخلاصها لقبيلتها.

خذوا حذاركم يا قوم ينفعكم       فليس ما قد أرى بالأمس يحتكر

إني أرى شجرًا من خلفها بشرٌ     وكيف تجتمع الأشجار والبشر

فسخروا منها وكذبوها ولم يصدقوها ثم قالوا: كذبت أو كذّبتك عينك. وعند وصول جيش العدو أغاروا على قبيلتها وقتلوا كل من فيها وأبقوا على زرقاء اليمامة حيًّة. سألها حسان الحميري ماذا رأيتِ؟ فقالت رأيت الشجر ومن خلفها بشر. فتأكد من قوة بصرها وبصيرتها وعرض عليها أن تصحبه في كل أسفاره وتكون دليله ومرشده ضد أعدائه مقابل أن يحفظ لها حياتها وإن رفضت فسوف يقتلع عينيها ويفقدها بصرها. فرفضت زرقاء اليمامة أن تكون مراقبة له ولبلاده وأخبرته بأنها لا ترغب في عينيها ولا تريد أن ترى من قتل أهلها، وفقدانها لبصرها أهون من أن تخدم من قتل أهلها وترى عدوًا أهانها. فأمر الطاغية باقتلاع عينيها وصلبها على باب المدينة. فأصبحت زرقاء اليمامة مضرب المثل عند العرب بحدة بصرها وإخلاصها لقبيلتها.

كبار الشعراء العرب يتغنون بزرقاء اليمامة

ذاع صيت زرقاء اليمامة بين القبائل العرب في عصرها وتغنى بها العديد من الشعراء لشدة جمالها وصواب نظرها وقوته، وأبرز هؤلاء الشعراء:

الأعشى:

ذكر الأعشى قصة زرقاء اليمامة وقومها في معلقته الشعرية الخاصة به حيث قال: 

إذْ نظرتْ نظرةً ليست بكاذبة

إذ يرفّعُ الآلُ رأسَ الكلب فارتفعا

قالت: أرى رجلاً في كفِّه كتِف

أو يخصِف النعلَ، لهفي أيّةً صنعا!

فكذّبوها بما قالت فصبّحهم

ذو آلِ حسّانَ يُزْجي الموتَ والشِّرَعا

فاستنزلوا أهلَ جوّْ من منازلهم

وهدّموا شاخصَ البنيان فاتَّضعا

المتنبي وزرقاء اليمامة:

ضرب المتبي في شعره المثل بحدة بصر زرقاء اليمامة. حيث قال مفاخرًا بنفسه:

وأبصر من زرقاء جو، لأنني

إذا نظرت عيناي ساواهما علمي

النابغة الذبياني:

عندما أراد النابغة الذبياني أن يضرب مثلًا في الحكمة والنظر الثاقب الدقيق ذكر قصة حدثت مع زرقاء اليمامة، حيث استطاعت أن تحصي أعداد سرب من الحمام بدقةٍ. فقال:

واحْكمْ كحكمِ فتاةٍ الحيّ إذْ نظرت        إلى حمامِ شراعٍ واردِ الثّمــــــدِ

يحفّه جانبًا نيقٍ وتتبـــــــــعهُ               مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا              إلى حمامتنا ونصفه فقــــــــــد

فحّسبوه فألفوه كما حسبت              تسع وتسعين لم تنقص ولم تزد

فكملت مائة فيها حمامتها                 وأسرعت حسبة في ذلك العدد

أخيرًا

بالتدقيق في قصة زرقاء اليمامة الحقيقية كاملة، يكتشف المرء أن زرقاء اليمامة تمتعت بالبصيرة وقوة الإدراك والفطنة ايضًا، وليس قوة البصر فحسب. فالبصر هو حاسة أو قوة يمتلكها الإنسان لرؤية ماحوله، ولذلك ربما تكون زرقاء اليمامة قد حذرت قومها من الغزاة وليس بالضرورة قد فعلت ذلك بقوة بصرها وإنما قد يكون ذلك بالإعتماد على معلومات من مسافرين أو جواسيس، وكان هدفها جعل قومها مستعدين دومًا لأي هجوم مباغت يحمون بمعلوماتها أنفسهم وقبيلتهم.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

هذه الإعلانات هي مصدر الدخل لنا عطل مانع الإعلانات لتساعدنا