الأثر النفسي للعبادة على حياة الإنسان

يقول الله عز وجلّ في سورة الذاريات الآية 56: (وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، فإنه تبارك وتعالى لم يخلقنا عبثًا، ولم يتركنا مهملين لا أهمية لنا، بل خلق الكون كله لغايةٍ عظيمة جليلة وهي عبادته، فما دمت عابدًا لله فلك بذلك حق عند الله وهي أن يدخلك جناته التي وعدها لنا.

مهما كان شكل العبادة التي يقوم بها الإنسان، ستشعره بلذة ورغبة في العودة إلى الله وملازمة عبادته وطاعته. لذا لا بد والتعرف على أسباب الوقوع في المعصية وكيفية التخلص منها وما هو الأثر النفسي للعبادة على حياتنا حينما نلجأ إلى الله وندعوه ونبتهل له؟

الأثر النفسي للعبادة

ما سبب الوقوع في المعصية؟

إن لم نكن على طريق الحق فنحن على طريق الباطل، إن لم نستجب لله استجبنا لأهوائنا.

كثير من الناس يحدثون أنفسهم بأسئلة يظنون أن جوابها صعب، كأن يقول المرء في نفسه إني لا أجد اللذة في العبادة لله أو بالصلاة، وقلبي قاسٍ كالحجر، أو أنني عندما أقرأ القرآن لا أشعر بأثر في قلبي، أو أنه يشعر أنه من السهل وقوعه في المعصية، وغيرها من الأسئلة التي يحتار في الإجابة عنها فيشعر بنفسه بعيدًا شيئًا فشيئًا عن الدّين وأن إيمانه ضعيف، لكن إن دققت في الأمر بشكل عميق وجدت أن الحقيقة تكمن في قلب الإنسان، وأن القلب السليم هو الذي ينفعه أكثر من ماله وبنيه ومن في الدنيا كلها لقوله سبحانه وتعالى: “يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)”، وهذه قمة اللذة التي تفضَل بها ومنحها الله سبحانه وتعالى لعباده.

هل الشعور بلذّة العبادة يختلف من شخص لآخر؟

إن هذه اللذة تختلف من شخص لآخر بحسب قوة وضعف إيمان كل شخص، لقوله سبحانه وتعالى في سورة النحل وفي الآية 97: “مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

ما معنى الأثر النفسي للعبادة أو لذة العبادة؟

الحياة الطيبة التي وعدنا بها الله سبحانه وتعالى لا تكون إلا بعبادته وحده وتعلق القلب بالله، ومداومة ذكره، وملئ القلب من محبة الله، والخوف من عقابه وناره، والفرح بثوابه وجنته، وهذا ما يقال عنه لذة العبادة.

كيفية حصول العبد على لذة العبادة

هناك الكثير من الأمور للوصول إلى اللذة في العبادة نجملها بعدة أمور منها:

أولًا: مجاهدة النفس

إن الله يهدي الإنسان ويسهّل له الوصول إلى السبل التي توصله إليه عن طريق المجاهدة والصبر وقوة التحمّل حتى يعتاد ويألف هذه الطاعات، حيث قال سبحانه وتعالى في الآية 69 من سورة العنكبوت: “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَـمَعَ الْـمُحْسِنِينَ”.

وقد قال أحد التابعين: أنه كابدَ قيام الليل سنة، فاستمتع بها عشرين سنة، وكما يقال لا تنقاد الآمال إلا للصابرين.

ثانيًا: الإكثار من النوافل على اختلافها وأنواعها

لأن النفس تمل بسرعة فلا بد من أن يتقرب المرء بنوافل الصلاة مرة وأخرى بنوافل الصدقة أو الصيام، وبالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالفرائض ثم النوافل ترقى من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان وهي أعلى درجات الرقيّ عند الله سبحانه وتعالى فيشعر العبد كأن الله يراه ويراقبه فيمتلئ قلبه بمعرفة الله سبحانه وتعالى ومحبته والخوف والمهابة والإجلال والشوق إلى العزيز القدير.

وبالإكثار من النوافل تُقبل النفس للعبادة ولا تُدبر لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه…) إلى آخر الحديث.

ثالثًا: توثيق الصلة بالله

 لا بد للعبد المسلم أن يعلم أنه لن يجد هذه اللذّة إلا إذا وثق صلته بالله وعلّق قلبه بالله الخالق ليصل إلى السعادة، فقد قال ابن القيم بأن في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وهموم وأحزان لا تذهب إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى والفرار منه إليه

رابعًا: التأمل في سير الصالحين

ابن تيمية كان يقول: إن في هذه الدنيا جنّة من لم يدخلها لا يدخل جنّة الآخرة.

وقد قال أحد المحبين في الله: أن أهل الدنيا مساكين، سيخرجون من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا له: وما أطيب ما فيها؟ قال لهم: محبّة الله، والشوق إلى لقائه، والأُنس به، والإقبال عليه، والإعراض عمّا سواه.

خامسًا: قراءة القرآن الكريم والتدبر في معانيه

في قراءة القرآن الكريم تذكير من الغفلة لما فيه من وعد ووعيد وثواب وعقاب، فهو شفاء للقلوب من كافة الأمراض، وجلاء القلوب من الصدأ الذي يعتريها، ورقّة لما قد أصابها من قسوة في هذه الحياة.

سادسًا: الأنس بالله سبحانه وتعالى والخلوة به

لما للخلوات بالله من أثر على النفس وجلاء للقلب فإن العبد يختار أوقاتًا معينة باللّيل أو النّهار ليخلو بربه فيها ويناجيه ويبثّ له شكواه ويتوسّل إليه ليقبل منه طاعاته مبتعدًا بذلك عن ضجيج وصخب الدنيا متقربًا فيها لله الواحد القهّار.

سابعًا: الابتعاد عن المعاصي والذنوب

إن القلب لا يجد حلاوة العبادة مع الذنوب، وإن مرض القلوب وسقمها هي الذنوب، فكم من شهوة لساعة أورثت صاحبها ذلًا طويلًا وكم من ذنب صغير أو كبير والعياذ بالله حرم مرتكبه قيام اللّيل سنين طويلة، فلا بد للعبد من البعد قدر المستطاع عن الذنوب حتى يستشعر بلذة العبادة لله.

ثامنًا: التقليل من المباحات

إن النفس البشرية مولعة بالنظر إلى الأشياء الجميلة ولكن لا بد من ضوابط لهذا الولع بألا يُتعب قلبه اشتياقًا له في كل حين حتى لا يترك قلبه كل شيء سواها فينشغل بها عن حلاوة العبادة بحلاوة الدنيا وفي هذا يقول ابن القيم: “غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر، إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله تعالى”. ولعل لا يوجد قول أحلى من مقولة “من ترك شيئًا لله عوضّه الله عز وجلّ خيرًا منه”.

تاسعًا: تجنب أكل الحرام

تحدث أبو هريرة أن رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا… ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ، يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟”،  أجل لأن من عوّد نفسه على اتّباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وغضّ بصره عن المحارم وأبعد نفسه عن الشهوات، وأكلَ مما أحل له من الحلال فإنه سيجد في قلبه حلاوة ولذّة في كافة العبادات.

وسئل الإمام أحمد بن حنبل: بم تلين القلوب؟ فقال: بأكل الحلال.

مشاهد من الأثر النفسي للعبادة ولذتها

إن لكل عبادة يتقرب بها العبد المؤمن إلى الله عزّ وجلّ يجد لها لذة وحلاوة وبهذا المجال سنتذكر بعضًا من هذه الصور:

لذة الإيمان

فإن للإيمان طعم ومذاق وحلاوة تتذوقها القلوب كما تتذوق الطعام والشراب، فغذاء القلوب والروح وسلامة القلوب من الأسقام هو الإيمان ليسلم القلب والروح من الأهواء المضلة والشهوات المحرّمة ويخلص النفس من المعاصي والذنوب، فقد حدثنا أنس رضي الله عنه أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قال: “ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان….” إلى آخر الحديث.

لذة الصلاة

فإن لذة الصلاة عظيمة جدًا وقد كان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يجد في الصلاة لذة وراحة حيث كان يقول لسيدنا بلال الحبشي: “قم يا بلال فأرحنا بالصلاة” فليس كما هو حال بعضنا يقول أرحنا منها والعياذ بالله.

وقد حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه بأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: “حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجُعلَت قرة عيني في الصلاة”.

لذة قيام الليل

لقد كان بعض السلف يقول بأنه يفرح باللّيل حين يأتي لأنه يقرّ عينه بمناجاة ربّه والتذلّل بين يديه وأنه كان إذا طلع الفجر شعر بالغم لأنه انشغل بالنهار عن عبادة ربّه لما كان يلاقي من لذة في قيام اللّيل.

لذة قراءة وتلاوة القرآن الكريم

فإن لمحبّ قراءة وتلاوة القرآن لذة وحلاوة وسرور أضعاف مضاعفة لأي حبّ آخر، وأي حلاوة للكلام بعد كلام ربّنا الذي هو لذة للقلوب وغاية المطلوب. وقد حدثنا أحد السلف: بأن أهل الدنيا مساكين لأنهم خرجوا من الدنيا ولم يتذوقوا أطيب ما فيها، وعندما سألوه ما أطيب ما فيها قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره.

ما الذي يعيننا على تذوق لذة العبادة؟

1 – الابتعاد عن الذنوب

وذلك لأنها تحجب الشعور بلذة العبادة لما تورثه في القلب من قسوة فقد قال ابن القيم: وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وقد حدثنا سفيان الثوري رحمه الله بأنه حُرم قيام الليل بسبب ذنب أذنبه.

جلس الإمام الشافعي مرة إلى الإمام مالك وصار يقرأ عليه فأعجب مما لديه من توقّد ذكاءه وفهمه وفطنته فقال له: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية.

وقد قال الإمام الشافعي:

شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي                                         فأرْشَدَنِي إِلى تَرْكِ المعاصي

وأَخْبَرَني بأنَّ العــلمَ نـــــــــــورٌ                                         ونـورُ اللهِ لا يُؤتى لعاصـــــــي

2 – عدم الإسراف في الأكل والشرب

أن يقتصر المسلم في طعامه وشرابه على ما يساعده على أداء العبادة فلا يسرف في الأكل والشرب وحتى الكلام لقوله عليه الصلاة السلام: “ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفَسِه”.  وكان السلف يقولون بأن راحة القلب في قلة الآثام (الذنوب) وراحة اللّسان في قلة الطعام.

3 – استحضار العبادات

هو أن يستحضر العبد دائمًا أن هذه العبادات يحبها الله ويرضى عنه بها وتقربه من الله وهي طاعة لله وابتغاء مرضاته سواء كانت صلاة أو صوم أو حج… الخ من الطاعات.

إن العبد لا بد أن يعرف بأن هذه العبادات هي كنز ثمين ليس له مثيل بين كنوز الدنيا وأن الله سبحانه وتعالى لا يُضيّع له هذه العبادات فهو إمّا أن يجد ثمراتها في الدنيا أو يدّخرها له للآخرة لقوله تعالى: “وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا”.

4 – الإنفاق في سبيل الله

كذلك فإن الإنفاق في سبيل الله له لذة ما بعدها لذّة فقد كان بعض السلف يتلذذ في الإنفاق في سبيل الله فهذا الذي يهب بيته وهذا الذي ينفق على الأيتام وذاك الذي يجد لذة في إنفاق أعز ما لديه من مال في سبيل الله ومن الأمثلة أبو الدحداح رضي الله عنه الذي وجد هذه اللذة حين جعل مزرعته كلها لله.

5 – طلب العلم

اللذّة في طلب العلم حيث كان أرباب العلم يجدون حلاوة في طلب العلم وأنهم مع ما يلاقونه من الشدّة والصعوبة في طلب العلم يجدون ذلك كحلاوة العسل على قلوبهم في سبيل ما يطلبونه ويرجونه.

وقد أنشد أحدهم في متعة طلب العلم:

لَـمِحبرةٌ تجالسني نهــــاري                                            أحبُّ إليَّ من أُنْسِ الصديقِ

ما هي الأسباب التي تمنع لذّة العبادة؟

  • ان تتحوُّل العبادة إلى عادة، فهي بذلك تُفقد العبد لذّة العبادة وحلاوتها.
  • إن المعاصي والذنوب تَحرم العبد من حلاوة مناجاة الله وتقفل القلب عن الحلال وتقربه من الحرام وتجعله قاسيًا ليُظلم ما حوله، وبذلك تبعده عن عبادة الله تعالى واللذّة التي ستصيب قلبه بها.
  • كثرة مخالطة الناس، فإن مخالطة الناس من الأمراض التي تبعد العبد عن ربه وبالتالي تفقده لذّة العبادة ولا بد للعبد أن يكون وسطًا بين عبادته ومخالطته للناس ليكون وسطًا بين الحق والعدل.
  • أن يبتعد العبد عن النفاق لأنه إذا كان في قلب العبد نفاقًا فهذا يمنع من حصول لذّة العبادة.
  • ألا يتثاقل ويتكاسل عن الصلاة كالذين يأتون الصلاة وهم كسالى فهؤلاء حرموا من لذة العبادة.

في النهاية …

أيها العبد المؤمن، إن أجدادنا بذلوا الأسباب الكثيرة وتعبوا لتتحقق لذّة العبادة فهي لا تأتي صدفة، بل لا بد لها من الجهد لنقطف ثمارها وننعم بخيراتها كما تنعّم بخيراتها أسلافنا وأن نسعى في تحصيلها لننعم بحياة سعيدة.

وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى: بأن العقلاء في كل أمة قد أجمعوا على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن الفرحة واللذّة تكون بالمشقة وركوب الأهوال، فلا تكون لذّة لمن ليس لديه صبر ولا راحة لمن لا يتعب، والفرح يأتي بعد الهمّ، والنعيم يأتي بعد الشقاء، وكل ذلك لا يشعر به إلا من شعر بلذّة العبادة. اللهم ارزقنا لذة التعبد، وحلاوة الطاعة، واجعلنا مخلصين.

قد يهمك أيضًا: طرق استجابة الدعاء وأهم الشروط والأوقات المستحبة للدعاء.

قد يعجبك ايضا