هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه ؟

من منا لم يفقد قريب أو عزيز؟ ومن منا لم يذرف العبرات؟ فالمصاب جلل، والقلب لا يتحمل، ولكن مهلًا.. هل يجوز البكاء على الميت؟

فقد ورد عن عبد الله بن عمر أن حفصة بكت على عمر رضي الله عنهم، فقال: مهلًا يا بنية ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه “.

اختلف العلماء والفقهاء في تأويل هذا الحديث ولذلك سنقدم آراء العلماء اليوم بشيء من التبسيط آملين أن نبين المعنى الصحيح من هذا الحديث.

هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه ؟

لا تعارض بين الكتاب والسنة

فقد جاء نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البكاء على الميت في حديث صحيح، إلا أن  السيدة عائشة -رضي الله عنها- أنكرت هذا الحديث ليس طعنًا برُواته، بل نسبت ذلك للاشتباه أو النسيان، واستشهدت بالآية التالية: ” وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ” فاطر/18.

وروت الحديث برواية أخرى حيث قالت: “ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه”، بمعنى أنه يعذب بسبب أعماله وأهله يبكون عليه.

وهناك عدة مسائل:

  • حديث الميت يعذب ببكاء أهله، حديث صحيح رواه خمسة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن عمر وأبو موسى الأشعري، فلا يصح الطعن به.
  • وكذلك رواية السيدة عائشة هي رواية صحيحة، فقد يأتي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة روايات تختلف باختلاف المناسبة التي قيلت فيها، فمرة رواه مقيدًا، ومرة رواه مرسلًا.
  • لا يوجد تعارض بين الكتاب والسنة؛ لأن العلماء قد فسروا الحديث بطرق تضمن الجمع بين الآية والحديث.

تفصيل متى يعذب الميت ببكاء أهله

السؤال الأول الذي يطرح نفسه: هل يعذب الميت ببكاء أهله بشكل مطلق؟ والجواب طبعًا لا، فما هو البكاء الذي يعذب بسببه الميت؟

نوع البكاء

بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم وقال: “إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون” رواه البخاري.

وقد جاء في حديث آخر أنه فاضت عيناه صلى الله عليه وسلم عند دفن إحدى أحفاده، فقال له سعد –رضي الله عنه-: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء”

فالدمع في المصيبة رحمة، ولا يجوز إنكاره على صاحب المصيبة، إلا أنه مقيد بشروط منها:

شروط البكاء

جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه”، فأولى الشروط هو:

  • عدم التلفظ بما يغضب الله سبحانه وتعالى عند حدوث المصيبة.
  • ألا تكون هذه الدموع دليل على سخط على قدر الله.
  • ألا تقترن بالصراخ والنواح والعويل وشق الجيوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لطم الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية”.
  • ألا تقترن بنتف الشعر أو حلقه كما كانت عادة أهل الجاهلية.

متى يعذب الميت ببكاء أهله ؟

فصل العلماء الحالات التي يعذب فيها الميت عند بكاء أهله عليه، ومنها:

  • أن تكون طريقته وطريقة أهله النواح على الميت، وهو يعلم ويقر هذا الفعل، كما كانت عادة أهل الجاهلية، وإن نهاهم فلا يعذب.
  • أن يوصي أهله بالنواح عليه بعد موته، فهذا يكون نتيجة فعله قبل موته ولذلك يحق عليه العذاب بعد موته.
  • يعذب الميت ببكاء أهله عليه سواء أكان الباكون بأجرة أو بغير أجرة.
  • من العلماء من رأى أن العذاب يكون مطلق، بمعنى أنه ما إن يبكيه أهله حتى يعذب بعذاب الله أعلم بكيفيته.
  • ومنهم من رأى أن العذاب لا يعني العقاب، ودليل ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن السفر قطعة من العذاب”، رغم أن السفر ليس بعقوبة، فقد يكون العذاب على هيئة توبيخ الملائكة، أو ألم يتأذى منه، أو يشعر ويسمع ويرى أمورًا يكرهها.
  • من العلماء من رأى أن قوة الإيمان قد تدفع هذا العذاب عن صاحبه.
  • ومنهم من قال أن العذاب واقع، إلا أنه يكفر ذنوب صاحبه، فهو كالمصائب التي يصاب بها المرء في الدنيا تكفر الذنوب.

ماذا تفعل من ناحت على ميتها؟

قد يؤدي جهل المرء بأمور دينه في بعض الأحيان إلى الوقوع في المحظور، أو قد يقع في المحظور نتيجة فقده لصوابه، وعند عودته لصوابه يدرك ما فعل، فما هي كفارة ذاك الفعل؟

لا يوجد كفارة لهذا الفعل، ولكن يتوجب على المؤمن إن فعل ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحة، يندم فيها على فعله، ويعزم على عدم الرجوع، ولابد له من كثرة الاستغفار.

ولا بأس إن قدم المرء الصدقات لميته أو دعا له، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” رواه مسلم.

فعليك أختي أن تضعي نصب عينيك أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ولذلك لابد لك أن تتحلي بالصبر عند الشدائد، ولتعلمي أن الصبر عند المصيبة الأولى، وأن ثوابه لا يحصيه أحد “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” الزمر/10، واعلمي أن هذه دار ابتلاء، والأجر بمقدار الصبر.