شخصيات نسائيةمنوعات

غادة السمان وغسان كنفاني … قصة حبٍ خالدة

غادة السمان المرأة السورية الجريئة، التي تمردت على عادات وتقاليد مجتمعها، عندما وقعت في حب الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، المناضل الذي دفع حياته ثمنًا لأفكاره النضالية، على الرغم من القلب الرقيق الذي امتلكه بين جنبيه، حيث نشرت غادة رسائل الحب المتبادلة بينهما، متحديًة قيود المجتمع العربي آنذاك، لأنها رأت أن محتوى هذا لرسائل وأسلوبها الأدبي يجعل منها نتاجًا لا بد من تداوله… في مقالنا التالي سنعرض قصة حب هذا الثنائي الفريد الذي رفد الأدب العربي بنصوص وأشعار عاطفية رقيقة غادة السمان وغسان كنفاني… تابعي معنا.

من هي غادة السمان؟

غادة السمان من أشهر الكاتبات العربيات وأكثرهن شجاعة، تركت أثرًا ملحوظًا في الأدب العربي الحديث. وهي امرأة سورية دمشقية ولدت في قرية الشامية، قرب مدينة دمشق عام 1942م لأسرة عريقة. فوالدها أحمد السمان  كان أستاذًا جامعيًا، وعميدًا لكلية الحقوق، ثم وزيرًا للتربية والتعليم. أما والدتها سلمى رويحة فهي من مواليد اللاذقية. ولها من الأشقاء شقيقها بشر و أختها زلفى. درست غادة السمان في المدرسة الفرنسية بدمشق. ثم انتقلت إلى مدرسة التجهيز حيث حصلت على شهادة الثانوية العامة، الفرع العلمي. أراد والدها أن تصبح طبيبة، لكنها خالفت رغبته والتحقت بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة دمشق. حيث عملت في مكتبة، ثم عملت كمعلمة لغة انجليزية في احدى المدارس الثانوية بدمشق بينما كانت لا تزال تدرس بالكلية.

عملت كمحاضرًة في جامعة دمشق وصحفيًة ومنسقة برامج في إذاعة دمشق. بدأت في نشر القصص عام 1960. حيث نشرت قصتها الأولى في صحيفة الأخبار السورية. ثم بدأت تنشر قصصها في الصحف العربية، ولا سيما في المجلة اللبنانية “الأسبوع العربي”، حتى أصبحت أشهر الأسماء في العالم العربي. فور تخرجها من جامعة دمشق عام 1964 ، سافرت إلى بيروت، حيث حصلت على درجة الماجستير في مسرح اللامعقول، من الجامعة الأمريكية عام 1966. وكانت أطروحتها بعنوان “أدب العبث”. بين عامي 1966 و 1969، عاشت وسافرت بين لبنان وأوروبا. اختلفت مع عائلتها بسبب إصرارها على استقلالها الفردي والمالي. تزوجت من الدكتور بشير الداعوق صاحب دار الطليعة للطباعة والنشر عام 1970 ولهما ابن واحد هو حازم. عاشت في بيروت في ذروة ازدهارها الثقافي والعمراني. وقد ساهمت بشكل كبير في الأنشطة الثقافية، وأصبحت من أبرز الروائيين العرب. غادرت بيروت إلى باريس عام 1976 بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 وتدهور الوضع الأمني ​​في العاصمة. كانت تزور لبنان بشكل متكرر حتى استقرت أخيرًا في باريس عام 1984. وبدأت في كتابة الصفحة الأخيرة أسبوعيًا لمجلة الأحداث حتى وفاة زوجها عام  2007م وانقطاع مجلة “الأحداث”، حيث عاشت في عزلة بعيدًا عن الأضواء.

أشهر إنجازات غادة السمان الأدبية

  • أسست دار نشر تحت مسمى مطبوعات غادة السمان.
  • جمعت مقالاتها الصحفية في سلسلة أسمتها الأعمال غير المكتملة. تم نشره في خمسة عشر كتابًا.
  • لديها تسعة كتب من النصوص الشعرية.
  • يتضمن أرشيفها غير المنشور، الذي وضعته في خزنة بأحد البنوك السويسرية، مجموعة كبيرة من الرسائل.
  • ترجمت أعمالها إلى الإنجليزية، الفرنسية، البولندية، الإسبانية، الروسية، الرومانية، الإيطالية، الألمانية، الفارسية واليوغوسلافية وغيرها …

من هو غسان كنفاني؟

غسان كنفاني كاتب فلسطيني، ولد في مدينة عكا في فلسطين في 9 أبريل 1936، واستشهد في بيروت يوم 8 تموز عام 1972 على يد الموساد الإسرائيلي، الذي أرهبه قلم غسان كنفاني وأفكاره النضالية. والده المحامي فايز كنفاني، ووالدته السيدة عائشة السالم. أما إخوته فهم: غازي، مروان، عدنان، نعمان، حسن. و كان له شقيقتان فايزة وسهى. كان متزوجا من الدنماركية آني هوفر ولهما طفلان فايز وليلى. في عام 1948 م غادر غسان كنفاني وعائلته وطنه فلسطين قبل أن تسقط مدينته يافا في يد الصهاينة، متوجهين إلى لبنان ثم بعد ذلك إلى سوريا حيث استقروا في مدينة دمشق، حيث عمل الأديب غسان كنفاني في مطبعة. و تابع دراسته حتى حصل على الشهادة الثانوية العامة عام 1953، ثم عمل مدرساً للفنون في مدارس وكالة الغوث بدمشق. وأثناء عمله ،كمدرس، التحق بقسم اللغة العربية بجامعة دمشق لمدة ثلاث سنوات. بدأ اتصاله بالناشطين السياسيين العرب الذين أسسوا حركة القوميين العرب عام 1953. شارك غسان كنفاني في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في كانون الأول 1967، وانتخب عضوًا في مكتبها السياسي. ثم أصبح المتحدث الرسمي باسمها، وكان مسؤولاً عن أنشطتها الإعلامية، وفي عام 1969 أصبح رئيس تحرير مجلة “الهدف”. ظل في هذا المنصب حتى اغتياله عام 1972.

قصة حب غادة السمان وغسان كنفاني

ظهرت قصة حب غادة السمان وغسان كنفاني إلى النور، بعد عشرين عامًا من وفاة بطلها غسان كنفاني، رسائلٌ فاضت بمشاعر الحب والشوق، نشرتها الكاتبة غادة السمان في تسعينيات القرن الماضي في ذكرى استشهاده، حيث جمعت غادة ما تبقى من رسائل غسان، بعد احتراق منزلها في بيروت، وقامت بنشرها، ولم تكتف بنشرها مطبوعة بل نشرتها أيضًا بخط يده لتأكيد مصداقيتها. أحدثت هذه الرسائل ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية والسياسية، بعد أن نشرت غادة السمان رسائل الحب هذه التي كتبها لها غسان كنفاني منذ الستينيات، حيث التقاها أول مرٍة بصورة عابرة في جامعة دمشق، ثم شاءت الأقدار أن يلتقيها ثانية في حفل في مدينة القاهرة، حيث لفتته بحضورها البرئ فقال لها: ” مالك تبدين كطفلٍة ريفيٍة تدخل المدينة أول مرة”؟ فكانت هذه الجملة بداية لعلاقة حب جميلة أثمرت عن رسائل مليئة بمشاعر الحب الرقيقة نشرتها غادة السمان عام 1992م تحت عنوان: ” رسائل غسان كنفاني إلى غادةالسمان”.

حالت بين غادة السمان وغسان كنفاني الكثير من العوائق، منها اختلاف الديانة، فغسان كان مسيحيًا وغادة مسلمة، إضافًة إلى زواج غسان كنفاني من سيدة أجنبية و رعايته لطفليه الجميلين. إلا أنه على الرغم من العوائق ظل غسان كنفاني يسكب عواطفه على الورق ويرسلها لغادة السمان. يقول في إحدى رسائلة: ” تعرفين أنني أتعذب وأني لا أعرف ماذا أريد، تعرفين أنني أغار وأحترق وأشتهي وأتعذب، تعرفين أنني حائرٌ وأنني غارقٌ في ألف شوكةٍ بريٍة، تعرفين، ورغم ذلك فأنت فوق ذلك كله، تحولينني أحيانًا إلى مجرد تافهٍ آخر”. استمر الغرام حيّا ومشتعلًا إلى حد الجنون أحيانًا في حين تتخلله في أحيانٍ أخرى نوبات الغيرة والإحباط حتى انتهت القصة فجأةً … لا لم ينهيها غسان ولم تنهيها غادة … انتهت القصة في صباح يوم الثامن من شهر تمور عام 1972 م نهايًة داميةً ووحشيًة، حين أقدمت المخابرات الإسرائيلية على اغتياله، حيث انفجرت سيارته أسفل منزله وتطايرت إلى أشلاء منهية حياة مناضل فلسطيني رائع، وعاشق استثنائي، ترك بصمة عميقة في قلوب محبيه. كتبت غادة السمان في وصف غسان ” بأنه رجلٌ له وجه طفل وجسد عجوز، عينان من عسل، وغمازة جذلة لطفل مشاكس هارب من مدرسة الببغاوات، وجسد نحيل هش كالمركب المنخور، عليه أن يعالجه بالأنسولين كي لا يتهاوى فجأة تحت ضربات مرض السكري، هدية الطفولة لصبي حرم من وطنه دونما ذنب، لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدية”.

بعض رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان

ما أحدث ضجًة كبيرًة حول رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان أنه لم يقم بنشرها بنفسه على عكس العقاد، وجبران خليل جبران، اللذان نشرا رسائلهما إلى الكاتبة مي زيادة. فيمايلي نص بعض هذه الرسائل الجميلة، الذي يصف فيها غسان لغادة ما يدور في خلده من مشاعر نحوها:

  • “غادة، عندما أمسكت الورقة لأكتب، كنت أعرف أن شيئاً واحداً فقط أستطيع أن أقوله، وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته، وربما ملاصقته التي يخيل إليّ الآن أنها كانت شيئاً محتوماً وستظل كالأقدار التي صنعتنا: إني أحبك” … غسان.
  • “إني أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه بالصورة التي تشائين، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة، وبأنه سيغير شيئاً من حقيقة الأشياء” … غسان.
  • “غادة يا حياتي، أنتِ، بعد، لا تريدين أخذي، تخافين مني أو من نفسكِ، أو من الناس أو من المستقبل، لست أدري ولا يعنيني أنك لا تريدين أخذي، وأن أصابعك قريبة مني تحوطني من كل جانب، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة، تريدها وتخشاها، ولا تطلقها ولا تمسكها، ولكنها تنبض معاً، أعرف حتى الجنون، قيمتك” … غسان.
  • ” ولكنني متأكد من شئ واحد على الأقل، هو قيمتك عندي … أنا لم أفقد صوابي بك بعد، ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنت أذكى وأنبل وأجمل. لقدكنت في بدني طوال الوقت، في شفتي، في عيني وفي رأسي. كنت عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره الإنسان كي يعيش ويعود … إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك … وحين أرى منظراً أو أسمع كلمة أو أعلق عليها بيني وبين نفسي أسمع جوابك في أذني، كأنك واقفة إلى جواري … ويدك في يدي” … غسان.
  • ” لن أنسى. كلا. فأنا ببساطة أقول لك: لم أعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً. لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساك، لا … إنك شيء نادر في حياتي. بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك”. غسان كنفاني.
  • ” إنني أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أن آخذك بمقدار ما ترفضين ذلك، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ماتريدين الاحتفاظ بنا معاً، وأنت وأنا نريد أن نظل معا بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم … إنها معادلة رهيبة، ورغم ذلك فأنا أعرف بأنني لست أنا الجبان، ولكنني أعرف بأن شجاعتي هي هزيمتي، فأنت تحبين، فيّ، أنني استطعت إلى الآن أن لا أخسر عالمي، وحين أخسره سأخسرك، ومع ذلك فأنا أعرف أنني إذا خسرتك خسرته.”
  • ” وكنتُ أعرف في أعماقي أني لا أستحقكِ، ليس لأنني لا أستطيعُ أن أعطيكِ حبات عيني، ولكن لأنني لن أستطيعَ الاحتفاظ بكِ إلى الأبد”.
  • ” على مائدة الفطور تساءلت: هل صحيح أنهم كلهم تافهون؟ أم أن غيابك فقط هو الذى يجعلهم يبدون هكذا ؟ “.

مقتطفات جميلة من رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان

  • ” أنتِ في جلدي، وأحسكِ مثلما أحس فلسطين: ضياعها كارثة بلا أي بديل”.
  • ” أغفر لكِ لأنك عندي أكثر من أنا وأكثر من أي شيء آخر … لأنني ببساطة أريدك وأحبك ولا أستطيع تعويضك”.
  • “ألا تفهمين أن هذا الذى ينبض داخل قميصى هو رجل شرقى خارج من علبة الظلام”.
  • “وأعرفُ أيضًا أن حُبَكِ يستحقُ أن يعيشَ الإنسانُ له”.
  • “وأعرف منك أيضا بأنني أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه بالصورة التي تشائين إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة”.
  • “أنت نبيّة هذا الظلام الذي أغرقتني أغواره الباردة الموحشة وأنا لا أحبك فقط ولكني أؤمن بك مثلما كان الفارس الجاهلي يؤمن بكأس النهاية يشربه وهو ينزف حياته، بل لأضعه لك كما يلي: أؤمن بك كما يؤمن الأصيل بالوطن والتقي بالله والصوفي بالغيب. لا، كما يؤمن الرجل بالمرأة”.
  • “بوسعك أن تدخلي التاريخ، ورأسك إلى الأمام كالرمح”.ئ” لا تكتبي لي جوابًا، لا تكترثي، لا تقولي شيئًا، إنني أعود إليك مثلما يعود اليتيم إلى ملجئه الوحيد، وسأظلّ أعود: أعطيك رأسي المبلل لتجفيفه بعد أن اختار الشقي أن يسير تحت المزاريب”. ” كنت أريد أرضًا ثابتة أقف فوقها، ونحن نستطيع أن نخدع كلَّ شيءٍ ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشَّة معلقة بالهواء”.
  • “لقد صرتِ عذابي، وكُتِبَ عليّ أن ألجأ مرتين إلى المنفى هاربًا أو مرغمًا على الفرار من أقرب الأشياء إلى الرجل وأكثرها تجذُّرًا في صدرهِ: الوطن والحب!”.
  • “سأظلُّ أناضلُ لاسترجاعِ الوطنِ؛ لأنَّه حقي وماضي ومستقبلي الوحيد، لأنَّ لي فيه شجرة وغيمة وظلًا وشمسًا تتوقد، وغيومًا تمطر الخصب وجذورًا تستعصي على القلع”.
  • ” أغفر لك؛ لأنَّك عندي أكثر من أنا، وأكثر من أيِّ شيء آخرَ؛ لأنَّني ببساطة أريدك وأحبك ولا أستطيع تعويضك”. ” أنا لا أستطيع أن أجلس فأرتق جراحي مثلما يرتق الناس قمصانهم!”.

في النهاية

كان غسان كنفاني رجلاً ذا أصالة كبيرة، ومواهب كثيرة. كتب القصص القصيرة والروايات والمسرحيات والمقالات الصحفية والدراسات التحليلية. تمت ترجمة العديد من أعماله ونشرها بستة عشر لغة. أما غادة فقد كانت امرأة استثنائية بجرأتها وثقافتها وموهبتها الأدبية التي جعلت منها رائدة في مجالها الأدبي، مما جعل قصة غادة السمان وغسان كنفاني حكاية تروى.

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

هذه الإعلانات هي مصدر الدخل لنا عطل مانع الإعلانات لتساعدنا